أبي منصور الماتريدي

85

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وأما قولنا : ليس عليهم إحصار ؛ لأن الإحصار هو الجيش والحيلولة بينهم وبين دخولهم مكة ، فإذا كانوا هم فيها قادرون على الطواف بالبيت في كل وقت ، كذلك بطل الإحصار . وقوله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ . عن ابن عمر « 1 » ، رضى اللّه تعالى عنه ، أنه قال : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ : شوال ، وذو القعدة ، وعشر من ذي الحجة « 2 » .

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 3535 ، 3536 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 393 ) . ( 2 ) ذهب الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة والشافعي وأحمد - وأصحابهم إلى أن وقت الإحرام بالحج : شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة . وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم . وذهب مالك إلى أن وقت الحج شوال وذو القعدة وشهر ذي الحجة إلى آخره . وليس المراد أن جميع هذا الزمن الذي ذكروه وقت لجواز الإحرام ، بل المراد أن بعض هذا الزمن وقت لجواز ابتداء الإحرام ، وهو من شوال لطلوع فجر يوم النحر ، وبعضه وقت لجواز التحلل ، وهو من فجر يوم النحر لآخر ذي الحجة . وعلى هذا فالميقات الزماني بالنسبة للإحرام متفق عليه ، إنما مرتب على مذهب المالكية جواز تأخير الإحلال إلى آخر ذي الحجة . وهذا الذي ذهب إليه المالكية قد حكى أيضا عن طاوس ، ومجاهد ، وعروة بن الزبير ، والربيع بن أنس ، وقتادة . والأصل للفريقين قوله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ فالجمهور فسروا الآية بأن المراد شهران وبعض الثالث . واستدلوا بالآثار عن الصحابة . كما يدل لهم أن أركان الحج تؤدى خلال تلك الفترة . وأما المالكية فدليلهم واضح ، وهو ظاهر الآية ؛ لأنها عبرت بالجمع ( أشهر ) ، وأقل الجمع ثلاث ؛ فلا بد من دخول ذي الحجة بكماله . ثم اختلف الجمهور في نهار يوم النحر هل هو من أشهر الحج أو لا : فقال الحنفية والحنابلة : هو من أشهر الحج . وقال الشافعية : آخر أشهر الحج ليلة يوم النحر . وهو مروى عن أبي يوسف . وفي وجه عند الشافعية في ليلة النحر : أنها ليست من أشهر الحج . والأول هو الصحيح المشهور . وقد استدل الحنفية والحنابلة بحديث ابن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال : « أي يوم هذا ؟ » قالوا : يوم النحر . قال : « هذا يوم الحج الأكبر » أخرجه أبو داود وابن ماجة . قالوا : ولا يجوز أن يكون يوم الحج الأكبر ليس من أشهره . ويشهد له حديث بعث أبى بكر أبا هريرة يؤذن في الناس يوم النحر : ألا يحج بعد العام مشرك ؛ فإنه امتثال لقوله تعالى : وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ . . . الآية والحديث متفق عليه . واحتجوا بالدليل المعقول ؛ لأن يوم النحر فيه ركن الحج ، وهو طواف الزيارة ، وفيه كثير من أفعال الحج ، منها : رمى جمرة العقبة ، والنحر ، والحلق ، والطواف ، والسعي ، والرجوع إلى منى . ومستبعد أن يوضع لأداء ركن عبادة وقت ليس وقتها ، ولا هو منه . واستدل الشافعية برواية نافع عن ابن عمر أنه قال : « أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة » أي عشر ليال . وعن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير مثله . رواها كلها البيهقي ، وصحح الرواية عن ابن عباس . ورواية ابن عمر صحيحة . ينظر : غاية المنتهى ( 2 / 295 ، 296 ) ، الهداية ( 2 / 220 ) ، رد المحتار ( 2 / 206 ، 207 ) ، شرح المحلى على المنهاج ( 2 / 91 ) ، نهاية المحتاج ( 2 / 387 ) ، المغنى ( 3 / 295 ) .